حسن الأمين

322

مستدركات أعيان الشيعة

أما المدعى به فهو كما جاء في ورقة الدعوى : ما جرى تحريره بمعرفة محكمة النباطية الشرعية وهو : بقرة شراكة مناصفة مع داود سليمان في مزرعة الجرمق ( أي نصف البقرة لداود سليمان ، ونصفها الثاني لزوج صاحبة الدعوى ) . حمارة شراكة مع البصار مناصفة ، طنجرة كبيرة مع غطاها ، طنجرة عربية بدون غطا ، وثلاثة لحف وثلاث فرش ، لكن صغير للعجين ( لكن : بفتح اللام بدون مد ، وفتح الكاف ) هو ( الوعاء الذي يعجن فيه العجين ) ، وطاستان صغيرتان ، وصحن ، وكيلة حليب ، وكرسي قش ، وخمسة فناجين قهوة بداوية ، وإبريق شاي ، وثلاثة فناجين شاي ، وغلاية قهوة ، وجاروشة ، وغربال ، وخرج شعر . ومن طرائف الدعاوي الجزائية دعوى مستوحاة من البلاغات الحربية التي كانت تصدرها الدول المتحاربة ، إذ كنا في عنفوان الحرب العالمية الثانية ، وهذا نصها : أن المدعى عليهم قاموا بهجوم عام ، من الجهات الأربع بتاريخ نهار الأحد الواقع في 17 تموز الساعة السابعة زوالية صباحا ، على الحاكورة الشرقية المزروعة من قبلي . وبهذا الهجوم السريع والمفاجئ سيطروا على الحاكورة وأخذوا يقلعون البطاطا والبندورة واللوبيا والباذنجان . . . إلى آخر ما جاء في الدعوى . ولو أن بلاغا صادرا عن مقر أحد الجنرالات في هذه الحرب ، لما كان أكثر دقة في تعيين الزمان والمكان وتصوير نوعية الهجوم . . . من هذا البلاغ الادعائي الطريف . ولكن إذا كانت البلاغات الحربية تنتهي دائما برد المهاجمين على أعقابهم ، وتكبيدهم أفدح الخسائر ، وإذا كانت تحاول أن تضع أصحابها مواضع المنتصرين ، فان هذا ( البلاغ ) من مصلحته أن يكون متواضعا معترفا بالهزيمة : فالمهاجمون عادوا جميعا ظافرين ! . . . وإذا كانت المصلحة الحربية تذكر دائما القيام بهجوم معاكس . فان مصلحة صاحب هذا ( البلاغ ) لا تذكر إلا الاستسلام وكثرة الجرحى . وتلقيت يوما بلاغا من رقيب مخفر الدرك في إحدى القرى لأتخذ ما يقتضي اتخاذه من إجراءات جزائية بحق من وردت أسماؤهم فيه . وإذا عنوان البلاغ هكذا : ( حفل غناء ورقص بدون إجازة ) . ولقد دهشت لهذا العنوان واستغربت أمره ، فإنه لم يبلغني أن أم كلثوم ولا محمد عبد الوهاب ولا غيرهما قد حضر أحد منهم إلى قرية من قرى هذه المحكمة للطرب والغناء . ولم أسمع أن أحدا دعا إلى حفلة راقصة في هذه الدساكر المنتشرة على رؤوس التلال وسفوح الجبال . بل الذي أعرفه أن أهالي هذه الضياع لهم من شقائهم وسوء علاقاتهم مع حكوماتهم ما يصرفهم عن التفكير في شؤون الرقص والطرب ! . إذن ما شان حفلة الغناء والرقص التي يذكرها محضر الدرك ؟ . أتراها فتحا جديدا في الحياة القروية غاب عنا أمره ؟ ! . وأين كنت أنا لأطير إليها ولو كانت مخالفة للقانون ؟ . . . ورحت أقرأ المحضر فإذا فيه ما يلي بالحرف الواحد : « أثناء وجودنا أمام المخفر سمعنا ضوضاء وغوغاء ، فتوجهنا فشاهدنا ما يزيد على الأربعمائة شخص من رجال ونساء جالسين على الكراسي ومنهم ناس على الحجارة والقسم الآخر واقفون . وهناك ثلاثة رجال من الغجر ومعهم امرأة غجرية يعزفون على آلات الطرب وينقرون على الطبول والدفوف والمرأة ترقص ومقيمين بذلك حفلة غناء ورقص ، وذلك قرب مقهى عبد النبي . فطلبنا صاحب المقهى فحاول الاختفاء ولدى سؤاله عما إذا كان لديه رخصة باحياء هذه الحفلة أجاب سلبا . وبناء على ما ذكر صار تنظيم هذا المحضر » . وبهت عندما أنهيت قراءة هذا المحضر ، وعرفت ما هي الحفلة التي عناها ، وهذه خلاصة الحكاية : مر جماعة من الغجر المتجولين في القرى ، فنقروا على الدفوف وضربوا بالطبول ، فاجتمع عليهم أهل القرية وفرحوا بما رأوه وسمعوه من رقص وعزف وغناء . فتساءل صاحبنا رقيب مخفر الدرك عما إذا كان لدى صاحب المقهى الذي اجتمع الناس بقربة رخصة باحياء هذه الحفلة « حفلة الغناء والرقص » كما سماها ، فخشي صاحب المقهى العواقب فتوارى في بادئ الأمر ، ثم استسلم صاغرا ذليلا ليحاسب على جريمته الشنعاء . . . وهي اجتماع الناس لمشاهدة الرقص والاستماع إلى الغناء بجوار مقهاه دون أن يكون معه إجازة ، مع أن أكثرهم باعتراف المحضرين إما واقفون على أقدامهم أو جالسون على الحجارة . . . وسالت عما جرى في ذلك اليوم المشئوم في القرية الوادعة ، فعلمت ما يلي : حين قبض البواسل على صاحب المقهى لمحاسبته دب الذعر في أهل القرية المجتمعين هناك فلاذوا بالفرار ، وخاف الغجر فأمعنوا في الركض . . . وانفختت الدفوف وتفرق العشاق . . . وهكذا تحولت الحفلة البريئة اللطيفة إلى حزن . . . وأعجب صاحبنا رقيب المخفر بنفسه لأنه كان أمينا على تطبيق القانون . . . حريصا على إبادة الرقص والغناء والفرح . . . إذا كانت بدون رخصة . . . وكثرت التوسلات ، وعظم الرجاء ، ليصفح ويعفو ويغفر . . . ولكنه أبى ورفض وثبت في رفضه وإبائه . . . فتشتت الناس وساق « المخالف » سوق المجرمين ليرتدع كل من يفكر بعد ذلك بان يفرح أو يغني أو يضحك . . . شهود الزور ومن المؤسف أن شهادة الزور كانت متفشية ، وكان ذلك من أعظم ما يضللني ويجعلني أتردد في الأحكام المستندة إلى شهادة الشهود ، فما يدريني أن هؤلاء الشهود يشهدون بحق أو بباطل ، وفي دعوى واحدة جاء ثمانية شهود يشهد كل أربعة منهم بما يناقض شهادة الأربعة الآخرين .